حسن حنفي
126
من العقيدة إلى الثورة
العقل من وهم وظن وشك والتأكيد على الوضوح والتميز والبداهة في النظر والعمل ، في العقيدة والشريعة ، مما يفسر سهولة الاسلام ويسر أحكامه وعدالة شريعته . أصبح الاسلام لذلك دين الفطرة ، دين العقل والطبيعة والحرية ، ينتشر بسهولة ويسر دون غزو أو قوة أو سيف . وفي نفس الوقت أصبح الانسان قادرا على التأثير في الطبيعة وقادرا على الاختيار الحر . فاستقلال العقل مطابق لحرية الإرادة ، واعمال النظر متزامن مع الالتزام وتحمل المسؤولية . وقد ظهرت ممارسات الحرية في الواقع في نظم الحكم التي سادت في الأندلس حتى هاجر إليها يهود أوروبا هربا من الاضطهاد الديني . كما ظهر في الحركات الاصلاحية الحديثة الاحساس بالتماثل بين الوحي وبين ما ظهر في أوروبا في عصر التنوير من اعلاء لمبادئ استقلال الفكر وحرية الإرادة واعتماد على العقل والطبيعة وحرص على التقدم ورؤية للانسان وللمجتمع . وبالرغم من حملة الغرب على الشرق حملة واحدة أبان الحروب الصليبية لمدة مائتي عام الا أنهم رجعوا منه بالعلم والفكر ثم أصلحت أوروبا حالها واعترف الغرب بفضل الاسلام وما نهل منه وما كان وراء نهضته الحديثة من عقلانية وتنوير « 183 » . انتشر الاسلام بسرعة لم يعهد لها نظير في التاريخ لحاجة الأمم إلى الاصلاح وتعبير الاسلام عن حاجات الجزيرة العربية للوحدة والعدالة ، وحاجة العالم القديم إلى مثل جديدة قادرة على إعادة بناء نظمه بعد تهاوى الامبراطوريتين القديمتين نتيجة للحروب المتبادلة وبسبب السيطرة والقهر والتدمير المتبادل . لقد ثبتت الأديان مصالح الناس وكانت دافعا على تقدمهم وبقائهم في التاريخ ، وأصبحت التجارب الانسانية كلها رصيدا لرقى البشرية . وتحولت الشعائر والطقوس من رموز في الديانات القديمة وحركات صورية إلى أفعال للأمة للفرد وللجماعة ، إلى اصلاح في الأرض
--> ( 183 ) قبس من الاسلام أضاء الغرب كما نقول وضوؤه الأعظم وشمسه الكبرى في الشرق . الرسالة ص 185 - 189 ، أنظر أيضا لمحمد عبده « الاسلام والنصرانية بين العلم المدينة » وأيضا مقالنا « نحن والتنوير » « الدين والثورة في مصر 1952 - 1981 » ، الجزء الثاني : الدين والتحرر الثقافي .